محمد متولي الشعراوي

1340

تفسير الشعراوى

إنها طاعة بلا حب ، ولكنها باستعلاء . وقد يحاول عبد أن يقول : ماذا يطلب اللّه منى ؟ ألا يطلب منى الصلاة والزكاة وإقامة العبادات ؟ سوف أفعل ذلك . لمثل هذا العبد نقول : لا ، إن اللّه يطلب العبادة بحب منك وخشوع واطمئنان ؛ لأن التكليف من الحق صدقة أخرى أجراها اللّه على العبد . إن الحق سبحانه وتعالى قد كلف العبد بالتكاليف الإيمانية ، حتى يكون الإنسان سويا وله قيمة في الحياة . إن معنى « قانت » هو العبد الذي يؤدى عبادة ربه بخشوع ، وباطمئنان ، وباستدامة . لماذا ؟ لأن الذي يقبل على الطاعة ثم ينصرف عنها كأنه قد جرب وده للّه فلم يجد اللّه أهلا للود . أما العبد الطائع فهو لا ينصرف عن العبادة ، لأنه ذاق حلاوة استدامة العبادة للّه ، وما دام قد أدرك حلاوة العبادة فهو يقبل عليها بخشوع ، واطمئنان ، واستدامة ، ويدخل في دائرة القانتين . وبعد « القانتين » يقول اللّه سبحانه : « والمنفقين » وكلمة أنفق و « نفق » ، مأخوذة من كلمة « نفق الحمار » أي مات ، و « نفقت السوق » أي انتهت بضائعها واشتراها الناس ولم يبق منها شئ . و « نفقة » مأخوذة من هذا المعنى لتشعرنا بأن الإنسان حين ينفق فهو يميت ما أنفقه من نفسه ، فلا يتذكر أنه أنفق على فلان كذا ، وعلى علان كذا ، أي يعلم يقينا أن ما أنفقه هو رزق من أنفقه عليهم وليس له إلا أجر إيصاله إليهم فلا منّ ، ولا إذلال . إن اللّه يريد من كل إنسان يخرج شيئا من ماله أن ينهى من ذهنه هذا الشئ الذي خرج من المال فلا يذكره ولا يمنّ به على أحد . « والنفقة » ، تقتضى وجود منفق ، ومنفقا عليه ، ومنفقا به ، المنفق كما نعرف هو المؤمن الذي عنده فضل مال ، والمنفق عليه هو الفقير ، والمنفق به هو الخيرات . ومن أين تأتى هذه الخيرات ؟ إنها تأتى نتيجة الحركة في الحياة ، وحركة المتحرك في الحياة تقتضى قدرة ، فإذا كان الإنسان عاجزا ، ولا يجد القدرة على الحركة ، فمن أين يعيش ؟ إن اللّه لا بد أن يضمن له في حركة القادر ما يعوله . لقد جعل اللّه القدرة عرضا من أعراض الحياة ، فالقادر اليوم قد يصير عاجزا غدا . وما دامت القدرة عرضا من أعراض الحياة ، فالقادر الآن عندما يسمع الأمر